أحمد ابراهيم الهواري
50
من تاريخ الطب الإسلامي
يذكر المؤرخون أن المأمون كان يعطى حنين بن إسحاق العبادي ما يعادل وزن الكتب التي يقوم بنقلها إلى العربية ذهبا . وكان يشتغل في دار الترجمة التي كان يرأسها حنين أكثر من تسعين مترجما بنقل الكتب ، ومن مشاهيرهم ابن أخته حبيش الأعسم ، وعيسى بن علي ، وعلي بن يحيى ، وأيوب الأبرش ، وحجاج بن مطران . وبفضل جهود هؤلاء وعلوّ هممهم ، وبصرف الأموال الكثيرة ، وتحرى الدقة المتناهية ، نقلت إلى العربية ، كتب كثيرة نفيسة حقا تجد في كثير من كتب التاريخ ، ولا سيما في كتاب الفهرست لابن النديم ، أسماءها وعناوينها بالتفصل ، غير أن كثيرا من هذه الكتب قد ضاع بسبب ما أصاب القسم الأكبر من البلاد الإسلامية في القرن السابع للهجرة من الخسائر ، نتيجة لحملة المغول عليها . وليس لدينا الآن من آلاف الكتي غير أسمائها ؛ وربما كان هناك كتب كثيرة ضاعت وضاعت معها أسماؤها أيضا . وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن شيوع عقيدة الأشاعرة الجامدة الشديدة التحفظ ، وتغلبها على طريقة المعتزلة الحرة في البحث العلمي والديني ، وعوامل كثيرة أخرى كانت قد أثرت في النهضة العلمية الإسلامية فحدّت من تقدمها قبل حملة المغول ، إلا أن هذه النهضة العلمية كانت لا تزال بعد على شئ من القوة ، وكان مقام العلم والأدب لا يزال شامخا ، إلى أن جاءت حملة المغول كالسيل الجارف فأصابتها بصدمة قوية فلم تقم لها بعد ذلك قائمة . إلا أن حملة المغول هذه لم تصب العلوم الطبية بما أصابت به غيرها من العلوم من ضرر ، لأن أفراد قبائل المغول على رغم بربريتها ، كانوا يهتمون بصحتهم وسلامة أبدانهم ، لذلك فقد حفظوا كتب الطب من الاضمحلال والضياع ، كما أن حبهم الشديد للشهرة وخلود الذكر كان من الأسباب التي صانت كتب التاريخ من الضياع والفناء . إن هذه العاطفة أعنى حبهم للشهرة وخلود الذكر لم تصن كتب التاريخ من الضياع فحسب ، بل كانت سببا لتأليف كتب أخرى نفيسة في هذا الباب ، مثل تاريخ جهانكشاى للجويني ، وجامع التواريخ لرشيد الدين بن فضل الله الحمداني ، وتاريخ الوصاف لفضل الله الشيرازي ، وتاريخ كزبده لحمد الله المستوفى القزويني ، وهي كلها معتبرة من الآثار والمؤلفات التاريخية الخالدة . والخلاصة أن أكثر المؤلفات التي نقلت في عهد المأمون إلى العربية كانت تراجم متقنة تدل على دقة المترجمين وحسن قريحتهم ، وأن تبويب الكتب المترجمة إلى فصول ومقالات وأبواب مع ذكر المراجع والمصادر التي نقلت عنها التراجم تدل على ذوقهم السليم .